موقع الأسرة العربيّة

     ليست السعادة تُقاس بالمال فقد كان أجدادنا يعيشون بلا كهرباء و لا ماء في البيوت و لا هواتف و لا …. و لكنهم مع ذلك عاشوا سعداء ، هانئين بحياتهم ، و عاملين على تغيير حالهم نحو الأفضل
  1. بنى أبي بعد أن تحسنت حاله ( بيتا مستقلا يتكون من طبقتين غير الأرضية، كل طبقة بها ثلاث غرف وتوابعها، و بالطّبقة الأرضية قاعة انتظار للضّيوف.  و لا أثر في هذا البيت للثّـــراء، بل طابعه البساطةُ و النّظافةُ ˸ ففي أكثر حجراته حصير فرشت عليه سجّادة، و في غرفة النوم لحاف و مخدة وحشية تُطوى في الصباح ، و تُبسط في المساء إذ لا يوجد للأسرّة فلذلك جُلُّ ما عرفته من أثاث في بيتنا. أمّا أدوات المطبخ فهي على غاية من السّذاجة. وهكذا لو أردنا أن نرتحل بأثاثنا لكفتنا عربة كبيرة لنقله.
  2. و كان بيتُنا – على قلّة أثاثه و بساطته – يحتوي ذخيرة ثمينة من الكتب  تشغلُ أكبر حيز فيه  و كان أبي مولعا بها  ولعا شديدا. و قد استمعت بها   أنا أيضا حين أصبحت قادرا على الاستفادة منها. و لقد احتفظتُ بخيّرها و اتّخذته نواة لمكتبتي التي أعتزُّ بها الآن ، و أمضّي فيها ساعات كــــلّ يوم.
  3. ففي حجرة من هذا البيت وُلدتُ و لم تكن المدنيّة قد غزت البيوت  و خاصة بُيوت الطّبقة الوسطى أمثالنا. فلا ماء يجري في البيوت، وإنّما هو سقّــــاء يحمل القربة على ظهره و يصبّ مائها في زير بالبيت، فنملأ منه قلالنا و نغسل منه مواعيننا، و كلّما فرغت قربة جاء السقاء بقربة أخرى. و طعامنا كان يُطهى على الخشب ثم تقدّمنا فطهينا على الفحم، ثم تقدّمنا أخيرا فطهينا  على موقد نفط. و طبيعيّ في مثل هذه الحال أن لا يكون في البيت كهرباء فكنّا نستضيء بمصابيح البترول. و أخيرا- و أنا فتًى – رأيتُ الحارة ( الحيّ ) تُحفر و الأنابيب تُمدُّ، و الحنفيات تركّبُ في البيوت. و إذا الماء في في منازلنا و تحت أمرنا، و إذا صوت السَّقَّـــــــاء يختفي من الحارة ، لكن لم أستضئ بنور الكهرباء حتَّى فارقتُ حيَّنا إلى حيّ أقرب إلى الثَّراء.
  4. و لا خادم في بيتنا، فكلّ أعمالِ البيت تقوم بها أمِّي، يُعينُها على ذلك أبناؤُها فيما يقضُون من الخارج و كُبرى بناتِها في الدّاخل، ففي هذا البيت الأول، و بين أمّي و كتب أبي تعلّمتُ أهمّ دُروسِي في الحياة. 
أحمد أمين (بتصرف)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الأمّ أقدس الأحياء

الملكة بلقيس